فوبيا المخيم، كامبو فوبيا

فوبيا المخيم، كامبو فوبيا

فوبيا المخيم، كامبو فوبيا: بقلم ظافر الخطيب    فوبيا المخيم، كامبو فوبيا: بقلم ظافر الخطيب عين الحلوة، ذلك الاسم الذي سيصبح على مرّ الزّمن اسماً شهيراً ، وينافس في شهرته الوول ستريت و نيويورك، سيتحول إلى مكان تقصده الوفود على مدار السنة، خاصة تلك الإعلامية منها، وتلاحقه المحطات الفضائية، لا بل تتنافس على استعراض حتى أقل الأحداث إثارة، فكل شيء في عين الحلوة يصبح مثيرا شبقاً ولا يمكن للعدسات أن تقاوم هذا الاغراء و أي إغراء هو؟ غير أن هذه العدسات و تلك الأقلام لم تتحمل عناء البحث عن الحقيقة، التي تصور الحياة من داخل المخيم ، التي تبين تلك الديناميات المدنية العادية جداً التي تتحرك في أحيائها الضيقة،في زواريبها، حتى داخل بيوتها الصغيرة، التي تحتشد فوق بعضها البعض.
فلماذا؟
لماذا هذا الإلحاح على استحضار المخيم ؟
هو سؤالٌ يطرح نفسه في وعينا،يبحث عن إجابة, ربما يصعب على الذين تحركهم محفزاتهم الخاصة بهم، المريبة منها و الحِرَفيةِ منها ، أن يتكلفوا عناء الإجابة، ربما الآن ذلك سيفقدهم ثمناً يركضون خلفه، شهرةً كانت أو دولارات، لا يهمهم في ذلك أن يدفع سكان المخيم ثمناً لميولٍ إعلامية غير متوازنة، أو موجهة بأجهزة الريموت كنترول التي تمتلكها الأجهزة، و ما أدراك ما الأجهزة، ما أدراك ما خلفها ؟

من هو المسؤولمن هو المسؤول
في إحدى المرات، كان يحل علينا ضيوفاً من مؤسسة دولية، عبارة عن متطوعين، جاؤوا من بلادٍ بعيدة، بحثاً عن مكانٍ يعملون فيه تطوعاً لمدة شهر واحد، كان عملهم يتركز على إعطاء دروس باللغة ا لإنكليزية لبعض تلاميذ مدرسة الأنروا و كان أن ضجت وكالات الأنباء المحلية و الفضائية، بأخبار الاشتباكات الضارية التي يدور رحاها في مخيم عين الحلوة، طبعاً، الصورة المنقولة لم تكن تعكس الحقيقة، بل كانت تصور كأنها حروبٌ بين جيوش عظيمة، وفيالق مدرعة مجلجلة، في حين أن الحدث نفسه كان أقل بكثير من تلك التي شهدها العالم في طرابلس و في الجبل و في البقاع، حتى أن ضحايا ذلك الاشتباك الدموي كان صفراً من القتلى ، صفراً من الجرحى، لكن المتتبع للملاحق الإخبارية التي كانت تبثها وسائل الإعلام ، كان يتخيل أن المخيم قد دمر عن بكر ة أبيه، وأنه لا أحياء فيه.من يجيبمن يجيب
لفتت تلك الأخبار ضيوفنا، المتطوعين من بلاد الغرب، فجاءوا إلى منزلي يحثهم الفضول لمعرفة الحقيقة، و لما كنت ناشطاً سياسيّاًعالماً بما يجري، فإنهم اعتبروا أن الحقيقة موجودة بحوزتي، وكنت في نهار ذلك اليوم الدموي في داخل المخيم,أي أنه ينظر إلي في علم التاريخ كشاهد حي، بعبارة أخرى ، اعتبر مصدراً مهماً من مصادر جمع الحقيقة، بالتالي فإن هؤلاء الأصدقاء، أصابوا الهدف حين قصدوني بحثاً عن الحقيقة، كنت وما زلت أعتبر نفسي رسولاً في خدمة شعبي و قضيتي، و لما كانت حقيقة ما يجري هي أفضل الوسائل لخدمة مجتمعي ، اعتبرت نفسي محملاً بعبء مواجهة تلك الأجهزة الإعلامية الموجهة أو الغير موجهة على قلتها،لم أحاول تقليل خطورة ما يحدث، لكني أيضاً لم أبالغ في ايصال الخبر على سنة أجهزة الأعلام . ختمت شرحي و إجاباتي عن أسئلتهم الكثيرة بدعوتهم لدخول المخيم، على الرغم من أنني كنت متأكّداً أنّه لو علمت سفارتهم بالأمر لمنعتهم من ذلك، كيف لا و المخيم في عرفهم هو وكر إرهابي مخيف مرعب .فيه مصّاصو الدماء يتحركون بحرية، بحثاً عن ضحية يتجرعون دمها.
في اليوم التالي، دخلنا المخيم، أنا و معي شابان و شابتان، انكليزيان، ايرلندية، و أخرى من ويلز، بداية الجولة بالتأكيد كانت مع الحواجز، شاهدوا بأم العين، تلك الطوابير الطويلة من السيارات ، كما كانوا يلمسون تلك الممارسات التي تذكرهم بمعابر رفح ،انتظرنا بدورنا أن يأتي دورنا,و عبرنا إلى داخل السجن الكبير، كان حقيقة مطوق بالأسوار و الجدران من كل الجوانب، فكان أشبه ما يكون بسجن أو معتقل كبير، و يخيل للمرء المتطلع إلى تلك الإجراءات أن الحياة في داخل المخيم مستحيلة، وأنه في حال حدث ذلك فإن من هم بداخله أناسٌ ليسوا مثل بقيّة الناس، مختلفين عنهم في سلوكهم ، في عاداتهم كما في تقاليدهم، ولو أنك عرضت هذا الأمر على علماء النفس والاجتماع لصالوا و جالوا في تحليل تلك الظاهرة "السجن الكبير".
فوبيافوبيا
المشهد من داخل المخيم:
لاحظوا معي أن هذا المكان،المسمى عين الحلوة، كان البارحة بالضبط، مسرحاً لاشتباكات ضارية، دموية،مدمرة،أكلت في طريقها الأخضر و اليابس، وفي العقل الافتراضي، فإن الحياة فيه أصبحت مستحيلة، معدومة، هذا يعني أنه لا حياة في الشارع ، لا مصالح أو متاجر مفتوحة، لا أطفال، كما لا نساء فيه،بمعنى أو بآخر فانه في التصور الافتراضي، لا وجود لغير الدمار و القتلى على جوانب الطريق،و المقنعين المسلحين المنتشرين على جوانب الطرقات.
سرت ومعي صحبي ، داخل المخيم، تجولنا فيه ، زرنا نادي النهضة الرياضي، الذي يقع في أول الشارع التحتاني من المخيم، هناك وجدنا في الطابق الأرضي منه عشرات الشبان الذين يتدربون على كمال الأجسام،طلبت من هؤلاء الشبان استعراض مهاراتهم، فبدأوا بذلك، كنت أنا الفلسطيني الوحيد في هذا الوفد، كمن يشهد ذلك لأول مرة، شبان يُظهرون كمال أجسادهم، وفي حقيقة الأمر هذه مهارات لا أشاهدها سوى في التلفزيون. التقط أصدقائي ما شاءوا من الصور ، ثم توجهنا إلى الطابق الأول، هناك رأينا أطفالاً يتدربون على مهارات الكيك بوكسنغ، تحدثنا مع المدرب، فقال لي أننا نجري استعداداتنا للدورة الصيفية التي ستجري بعد أسبوع، ووجه الدعوة لضيوفنا كي يحضروا الدورة، متمنياً على الضيوف الكرام نقل الحقيقة عن هذا المكان،كانت تلك الدورة التي يتحدث عنها، دورة عربية، أي سيشارك فيها لاعبون من سوريا، لبنان، فلسطين والأردن،مع العلم أن القوانين الرسمية في البلاد تمنع حتى الاعتراف بوجود مواهب فلسطينية ، لكن القدرة الفلسطينية على تحدي الممنوع في القانون اللبناني الإستثناء باتت عرفاً يسجل لها من باب احترام و تقدير القانون ا لإنساني الطبيعي، حيث أن الإنسان ولد ومعه حرياته الطبيعية، بالتالي لا حق لأحدٍ أن يمنع الفلسطيني من التمتع بحقوقه الطبيعية و الإنسانية،فطالما أن العقد الاجتماعي الذي أخذ الحريات و استبدلها بحقوق لا ينطبق على الحال الفلسطينية فيحق له أي للفلسطيني أن ينسج التكييف الّذي يراه مناسباً . المقاومة بناءالمقاومة بناء
تابعنا جولتنا، في الشارع التحتاني ، المكان يضج بالناس، النسوة ، الشيوخ، الشبان يتجمعون حلقات، الأطفال يلاحقون ضيوفنا بمداعباتهم ، ثم عرجنا إلى السوق الذي كان يعج بالناس ، ثم إلى مركز الشباب الفلسطيني، حيث شاهدنا فريقين من الرياضيين يلعبون كرة السلة، إلى المستشفى الوحيد في المخيم، ثم قصدنا مركز المخيم، وهو عبارة عن مدرسة أنشأت بمبادرة من أحد المثقفين الفلسطينيين ، و تهدف إلى إعطاء دروس تقوية للطلاب، تفقدنا المكان، وجدنا غرفاً مليئةً بالطلاب والطالبات، من مستوى المرحلة المتوسطة و الثانوية ، يتلقون دروسهم، على الرغم من رداءةِ ظروف المكان، لناحية افتقادها التّجهيزات المناسبة، وختمنا جولتنا في الشارع الفوقاني بمشاهدة فرقة دبكة كانت تتمرن على الرقصات الفولكلورية الفلسطينية، استعداداً لحفلة ستقيمها قريباً، و أكثر ما أثار ضيوفنا هو رؤيتهم لآلة "الكربة"الموسيقية، وهي آلة بريطانية المنشأ، إذ استغرب هؤلاء أن يكون في هذا المخيم عازفين لها، كما أنهم استغربوا أن يكون هناك رقصات تراثية على هذه الموسيقى.
انتهت جولتنا، في المخيم، عدنا إلى البيت، والتعب كان قد نال منا، جلسنا نستريح، أحببت أن أعرف انطباعاتهم، في المقارنة بين المسموع و المرئي، المقارنة بينهم كأشخاص متحولين من مشاهدي وسائل الإعلام، والمتأثرين بما يجري بالمخيم حسب نشرات الأخبار المتلاحقة و رسائل مراسليها المتواترة،و بينهم كأشخاص أصبحوا شهود عيان على الحقيقة، و أجمل ما سمعت منهم ، قولهم ، "أن مخيم عين الحلوة فيه حياة و دفء أكثر من المدينة".

عين الحلوة في التاريخ

عين الحلوة أو أرض النمل كما كانت تسمى الأرض التي أقيم عليها مخيم عين الحلوة،كانت منطقة خالية من المناطق السكنية، أول استخدامٍ لها كان حين كانت لجأت السلطات إلى انشاء بعض المساكن ، لإسكان بعض العائلات الذين تضررت منازلهم بفعل الزلزال الذي ضرب لبنان قبل ذلك بوقت قصير، و يعود تأسيس المخيم إلى العام 1948"وقد أنشأته أساسا اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1948/1949 عندما توفرت الخيام لإقامة اللاجئين من شمالي فلسطين. وبدأت الأونروا عملياتها في المخيم عام 1952، واستبدلت الوكالة المساكن الخرسانية بالخيام" ،والجدير ذكره, أن هذه الأماكن إن كان في عين الحلوة أو في غير مكان من لبنان،كانت تعتبر على الأقل من وجهة نظر ساكنيها، أي من وجهة نظر اللاجئين الفلسطينيين إلى عين الحلوة مؤقتاً، وبناءً عليه فقد قبل هؤلاء فكرة السكن في الخيام، لا بل رفضوا التسهيلات إلي كانت تقدمها الأنروا في وقت لاحق، وذلك لأنها كانت تعني لهم أن الإقامة فيه ستطول، بالتالي فإن عودتهم إلى الوطن ليست على بعد أيام أو أسابيع قليلة كما كانوا يأملون، او كما كان يصوره لهم البعض من قادة الأنظمة العربية آنذاك. و يذكر الكثير من كبار المخيم ذلك في شهاداتهم الحية، ففكرة بناء حمامات من اسمنت و أخرى مخصصة للمياه كانت مرفوضة ووجهت من قبل سكان المخيم بالكثير من الاعتراضات.
يقع عين الحلوة إلى الجنوب الشرقي من مدينة صيدا، على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات من قلب المدينة، وقد أقيم على مساحة تقدر "حوالي كيلومتر مربع واحد" ، غير أن هذا المكان يتمتع بخاصيات مميزة ، سلباً و إيجاباً، منها مثلاً أن موقع عين الحلوة، يلامس الحساسيات الطائفية و المذهبية، فإلى الجنوب منه هناك الحساسية الطائفية الشيعية، والي الجنوب الشرقي ،و الشرقي هناك الحساسيات المارونية المسيحية، والى الشمال منه هناك الحساسية الطائفية السنية، بالإضافة إلى أن موقعه يجعله بجوار الطريق العام إلى الجنوب القديم و الحديث، و أخيرا فإن عين المخيم، يشكل المدى الجغرافي الحيوي الوحيد لمدينة صيدا، من حيث تطورها أو توسعها العمراني.
كان عدد سكان المخيم في العام 1948، حوالي 15000لاجيء جميعهم تقريبا جاؤوا من صفورية،الصفصاف،الملاحة،شعب،الزيب،طيطبا،الراس الأخمر،الزيب،حطين،المنشية،سعسع،وهي قرى جميعها تقع في شمال فلسطين،ومن الصعب الوقوف على الرقم الفعلي للاجئين الفلسطينيين في المخيم في الوقت الراهن، فهناك إذ يمكن الحديث عن أعداد أخرى من اللاجئين وفدت إلى المخيم واستقرت فيه،فهناك عدد كبير سكن المخيم بفعل تدمير مخيمات أخرى في لبنان،خاصة بعد تدمير مخيمي النبطية بفعل الطيران الصهيوني، و تل الزعتر،جسر الباشا على يد مسلحي الكتائب و الأحرار في أثناء الحرب اللبنانية، و هناك أعداد غير قليلة ممن يصطلح على تسميتهم بالغير مسجلين في لوائح الأنروا، وهم ممن قدموا أو جاؤوا إلى لبنان بعد العام 1950،وحتى في العام 1967 ، أخيرا هناك أعداد تركت المخيم على إثر حروب المخيمات في بيروت، و لأنه لم يتم إجراء أي عملية إحصاء رسمي ،إن كان على مستوى الدولة اللبنانية أو على مستوى الأنروا، فإن الاعتماد يتم على أساس مصادر الإحصاء الحيوي التي ترتبط بعدد الوفيات و المواليد، بالإضافة إلى اعتبار عمليات التسجيل لدى الأنروا هي المصدر الأساسي لمعرفة عدد سكان المخيم بالضبط، و لهذا فإننا نكون أمام رقمين ، الرقم الأول هو رقم الأنروا، وهو المعتمد عند الدولة، والذي يتراوح بين 45-48 ألف نسمة، في حين أن أرقام اللجنة الشعبية و منظمة ا لتحرير الفلسطينية التي تأخذ بعين الاعتبار الإضافات التي طرأت على السكان، بحيث يصل الرقم عندها ليتراوح بين 75-80 ألف نسمة.
و ينقسم المخيم من حيث تكوينه المعماري من حيث الطول الى شارعين رئيسيين،الشارع الفوقاني والشارع التحتاني،أما من حيث العرض فإن هناك ثلاثة شوارع تربطان الشارع الفوقاني بالشارع التحتاني، و تمتاز هذه الشوارع بأنها ضيقة جداً، كما أنها غالباً ما تكون مزدحمة، و قد تحول الشارع الثاني الي ما يشبه السوق الشعبي لذلك فإنه بحكم الملغي في أوقات ا لنهار ، و قد ساعدت هذه التقسيمات في تقسيم المخيم وفق أحياءأطلق عليها سكانها أسماء بلداتهم وقراهم في فلسطين، ويبدو أن هذه التسميات ارتبطت بحقيقة أن سكان القرية الواحدة تجاوروا في سكنهم في عين الحلوة، فأصبح كل حي يتمايز عن اٌلأخر تمايزا شبيها بالتمايز الحاصل في فلسطين. من هنا فإن المتجول في عين الحلوة يجد أسماء أحياء مثل ، حي صفورية، الصفصاف، المنشية، راس الأحمر، الزييب، الملاحة،طيطبا، و غير ذلك من الأسماء، و قد تحولت هذه المسميات التلقائية إلى أن تأخذ منحىً رمزياً يرتبط بفكرة الوطن التاريخي، و تعبر عن التمسك بالعودة إلى المناطق التي هجروا منها، و يبدو أن هذا الأمر ليس حكراً على مخيم عين الحلوة، بل هو تقليد اتبع ايضاً في كافة المخيمات الفلسطينية على امتداد انتشارها.

عين الحلوة والدولة اللبنانية

كان من الطبيعي أن يكون هناك مرجعيات تتعامل مع هؤلاء اللاجئين، في عين الحلوة كما في غيره من المخيمات كان هناك مرجعيتين أساسيتين، فهناك المرجعية الأولى التي تتعامل بالشأن الإغاثي والخدماتي و المتمثلة بالمؤسسة الدولية لإغاثة و تشغيل اللاجئين الفلسطينيين(الأنروا)،أما المرجعية الثانية فكانت تمثل بالدولة اللبنانية، التي مثلت المرجعية القانونية و الأمنية دون غيرها من الأمور، ولعل الطابع الأمني كان هو الطاغي في ممارسات الدولة اللبنانية إن كان على مستوى مخيم عين الحلوة أو على غيره من المخيمات، الأمر الذي استتبعته ممارسات كانت تثقل كاهل الفلسطيني، بحيث أن الذاكرة الشفوية ما زالت تحتفظ بالكثير منها، وهي تذكر بألم شديد.
كان إحساس اللاجئين الفلسطينيين بفكرة الإقامة المؤقتة طاغياً، لذا كانت عقلية "الضيف"،هي السائدة، وهو ما حكم عليه قوانين و أعراف الضيف، فعلى الضيف أن يقبل قوانين و أحكام المستضيف،و عليه أن لا يثقل عليه بوجوده،بمعنى أو بآخر عليه أن لا يشعر أنه في بيته، فعليه أن يحاذر من أي سلوك يسلكه.هذه الأمور هي التي جعلت الفلسطيني في مخيم عين الحلوة يقبل بها، لا بل أن تعريفها بحيث لا تخدش جانب الكبرياء ، الكرامة، عزة النفس، فطالما أن فلسطين ستعود، وطالما أن العودة إليها ليست بعيدة ، فعلينا أن نتحمل ما يمارس علينا،و أن نتكيف معها،لذلك تحفظ الذاكرة الشفوية الكثير من هذه الممارسات، و تستطيع في حال مقابلتك لأحد من أبناء المخيم ، حتى حديثي العهد منهم أن تسمع أسماء الكثير من رجالات الأمن اللبناني و الشعبة الثانية لاحقاً و ممارستهم داخل المخيم، فقد كان رجل الأمن أو الشعبة الثانية هو الحاكم الأوحد للمخيم.
الفكرة الأساس تنبع من احتلال فلسطين، ولجوء الآلاف من أبنائها إلى دول الجوار، ثم في كون هذا اللجوء مؤقت و غير دائم ، وفي الحقيقة أن البلد الذي تمت الاستجارة به هو بلد عربي شقيق،بالإضافة إلى حقيقة أن هذا الوجود كان مشفوعاً بقرارات الأمم المتحدة، هذا عدا عن أن الشعب الفلسطيني لم يكن ليقتنع بفكرة التخلي عن فلسطين، لذلك فإن تعبيراته في التمسك بأرضه كانت كثيرة.
على المقلب الآخر كان هناك قناعة عند دوائر عديدة ذات تأثير، وهي قناعة مفادها بضرورة معالجة مسألة اللاجئين،و تدخل في هذا الإطار أفكار من مثل أمن "إسرائيل"، الخطر الديمغرافي ا لواقعية التي نظرت لمعركة التحرير من منظار موازين القوى بين العرب المفككين المنقسمين ، و الكيان الصهيوني القوي الذي يحظى بدعم دوائر عالمية قوية،في حين أنه في لبنان كان هناك من ينظر للوجود الفلسطيني من زاوية التناقضات الداخلية، و الطائفية السياسية، و بالتالي حدث تقاطع بين الفكرتين عبر عن نفسه لبنانياً من خلال التضييق على الفلسطيني بقوانين كثيرة،و بممارسات أمنية تحلقه كظله.
لذلك لا نفاجأ حين يحاول البعض في أيامنا الحالية فلسفة هذا السلوك و تبريره بأنه كان سبباً في تمسك الفلسطيني بهويته الفلسطينية بالتالي في منع التوطين و استمرار المطالبة بحق العودة، وهو ما أصاب الكثير من المفكرين و السياسيين ألعنصريي النزعة، كما لدى بعض المتنورين اليساريين ، وذلك تأكيداً لفكرة السياسة الممنهجة في التعامل مع ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
مع تقدم الوجود ا لزمني للاجئين الفلسطينيين في لبنان و تراجع فكرة الزحف العربي ، و مع ثورة الضباط الأحرار في مصر، و نشأة حركة القوميين العرب، يشهد المخيم حراكاً سياسياً تمثل في انخراطه المتزايد في اطر حركة القوميين العرب و غيرها من القوى و الأحزاب، مثل الحزبين القومي و البعثي،و كثرت حركة الاجتماعات و النشرات و المناشير التي توزع داخل المخيم، وكانت كلها تركز على فكرة التحرير والعودة،لدرجة انه كان من الصعب أن تدخل إحدى العائلات دون أن ترى فيها منتسباً أو أكثر لهذه الأحزاب القومية.
إن فترة الخمسينات من القرن العشرين مثلت أولى بوادر الصحوة الفلسطينية بعد نكبة عام 1948، فحتى تلك الفترة كانت فكرة اللجوء المؤقت والعودة القريبة اعتماداً على الوعود العربية هي السائدة،لذلك انخرط الفلسطينيون في إطار العمل و التعلم، ولعل الانخراط في أطر التعليم كان يتزايد مع الوقت تعبيرا عن الحاجة لإثبات الوجود. معه بدأ الوعي السياسي الفلسطيني عند اللاجئين يزداد، كما ازدادت الحاجة إلى التعبير عن الذات الفلسطينية، وهو ما دفع بالشبان في كافة المخيمات و تحديداً في مخيم عين الحلوة الانخراط في اطر الحركات السياسية تحديدا القومية منها، وما زاد من هذا التوجه، الثورة التي قام بها الضباط الأحرار في مصر،من هنا شكلت حركة القوميين العرب الإطار الجاذب لسكان المخيم، و مع هذا التنامي في العمل السياسي كان سلوك الأجهزة الأمنية اللبنانية يتزايد، و قد أخذ طابعاً عنيفاً في أحيان كثيرة،ممارسات مثل ألإذلال والاعتقال و التوقيف أصبحت ممارسات عادية و تضاف إليها ممارسات أخرى مثل حرمان الفلسطيني من حق العمل و غيره من القوانين الجائرة.
هذا الوضع خلق نقاط التقاء أو نوع من التقاطع مع الواقع اللبناني، فقد كان التيار القومي العربي يشهد حالة مدٍ كبيرة في لبنان، و كانت صيدا تشهد نشاطاً متزايداً للتيار الناصري كما لتيار حركة القوميين العرب، لذلك لم يكن مستغرباً أن تنخرط الجماهير الفلسطينية في عين الحلوة والمية ومية ، والجماهير الصيداوية في نشاط سياسي واحد، مهرجان أو مظاهرة وغير ذلك،هذا من جانب أما الجانب الآخر فكان يتعلق بالحركة النقابية المطلبية التي نشطت في لبنان، وهو ما خلق أيضا قاسماً مشتركا بين جمهور المظلومية الفلسطينية و الفقراء في لبنان, هو ما اعتبر قضية واحدة، لان المتضرر من الحكم والسلطة هم أنفسهم الفقراء على الجانبين.وهو ما خلق تقارباً بين الجانبين و ربما كانت هي المرحلة الذهبية في العلاقة بين المجتمعين اللبناني والفلسطيني.
و في الستينات كان مخيم عين الحلوة يشهد ولادة حركة فلسطينية جديدة، تمثلت في حركة فتح، انخرط فيها عدد كبير من أبناء المخيم، بذلك أصبح هناك نوع من التنافس على استقطاب العقل الفلسطيني و انتمائه، لذلك كان النشاط السياسي الفلسطيني يتزايد معه .كان الوعي الفلسطيني بذاته يتزايد، و كان أن حدثت هزيمة حزيران، التي أدت إلى إحساس متزايد عند الفلسطينيين بضرورة التحرك على مستوى الذات الفلسطينية ، هذا الإحساس كان يترجم بالانتماء إلى الحركات الداعية للكفاح المسلح طريقاً وحيداً لتحرير فلسطين، حركة القوميين العرب، وامتدادها الجبهة الشعبية ، حركة فتح و غيرها من التنظيمات والفصائل التي نشأت قبل وأثناء وعلى اثر هزيمة حزيران.وقد توزع أبناء عين الحلوة في الولاءات بين هذه التنظيمات.
هذا الواقع الذي صار اليه أبناء مخيم عين الحلوة كان دافعاً أساسيا باتجاه الانخراط في صفوف حركات الكفاح المسلح، إذ مع تجربة الجزائر التي ارتكزت في علميتها التحررية من أجل التخلص من الاستعمار إلى عنصرين أساسيين، العنصر التنظيمي المتمثل بالحركة الوطنية الجزائرية(جبهة التحرير الجزائرية)، و الكفاح المسلح كأسلوب في مواجهة العدو المتمثل آنذاك في الجيش الفرنسي،وكان الانتصار الجزائري مدوياً في الساحة الفلسطينية ، يضاف ذلك إلى الممارسات السلطوية القهرية التي انعكست رغبةً في التعبير عن الذات الفلسطينية، الرغبة في إثبات الوجود الجمعي الفلسطيني،عين الحلوة اكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين كان المختبر لهذا الإحساس الجمعي ، والمعبر عنه كما قلنا في الانخراط المتزايد في النشاط السياسي كما في الحركات المسلحة، وصل مع نهاية الستينات حد حمل السلاح و التدرب على العمليات العسكرية ضد العدو الصهيوني ، بالإضافة إلى التوجه ناحية الأردن كميدان رئيسي لقوى المقاومة الفلسطينية قبل أحداث أيلول التي ضربت وجود المقاومة هناك.
بعدها تحول الثقل الفلسطيني إلى لبنان، ولما كان" عين الحلوة" هو المخيم الأكبر فقد كان من الطبيعي أن يتحول المخيم إلى مركز كبير وهام جداً تغرف منه الحركات المقاومة عنصرها البشري، معه تحول السلاح الفلسطيني إلى وطن الإنسان الفلسطيني،في عين الحلوة كان هذا الإحساس راسخاً، فبالإضافة إلى انه كان الأساس لاستعادة روح الكبرياء و العزة ، فانه أيضاً ساهم بتخليص أبناء المخيم من الممارسات القهرية للسلطة،هذا الوضع الذي استمر حتى الاجتياح الصهيوني للبنان، حمل معه أيضاً مآس كثيرة لم تكن موجودة في يوميات اللاجئ الفلسطيني في عين الحلوة، فأصبح من الصعب أن تدخل بيت فلسطيني في عين الحلوة دون أن ترى صورة شهيد أو مخطوف ، عدد كبير من الشهداء والجرحى يقابلهم عدد كبير من المخطوفين المجهولي المصير و المعوقين،بالإضافة إلى اضطرار أعداد كبيرة من أبناء المخيم بحثاُ عن سبل العيش في بلدان أخرى للهجرة الى بلدان اخرى،وفي هذا السياق، يكفي أن نذكر بعض الأرقام على سبيل الإلحاح في طرح المخيم بين المخيم ، القيمة و المعنى، والمخيم المتصور عند البعض الأخر،ففي العام 1948، كان عدد الّلاجئين الفلسطينيين الذين أجبرو ا على ترك فلسطين الى لبنان، حوالي المئة وخمسة وسبعون الف لاجيء،في حين أن الذين بقوا في أرض فلسطين،في المناطق التي احتلت في العام 1948، هو ايضا مئة و خمسة و سبعون ألف فلسطيني بعد ستين عاماً على النكبة، و في النكبةأصبح عددهم في فلسطين (1948)حوالي المليون و اربعمائة الف فلسطيني، في لبنان ما زال عددهم مختلف عليه، اكثر الارقام تفاؤلاً تتحدث عن اربعمائة الف لاجيء، والفارق بين الرقمين هو مليون شخص، اليس في هذا المعطى، أبلغ دلالة يمكن ان تنهض بإجابات وليس بإجابة واحدة...

يتبع في العدد القادم من الدحنون