زيتون فلسطينبقلم سونيا العلي
زيتونة الدّار عطشى
زيتونة الدّار التي ولدت منذ حبّ في أرضنا السّمراء، التي تميتني وتحييني رائحة تربتها في كل عامٍ من ذلك الموسم. موسم الشتاء الأوّل، في حنين التربة إليه بعد عطش، إنه عطشها الأبدي الذي يواظب على الوفاء لمطرٍ رهامٍ من سماء أثقلت كاهله بالغبار، لكنّ موسم الغبار يتزامن هذا العام مع غبار الأزمة المالية، التي يشهدها العالم، والتي تكنس أحلام كثيرين من الفقراء، كما يحاول الإحتلال كنس أحلام المزارعين في موسم القطاف الأوّل.
نسيمات خفيفة في عمر الأجنّة، هي مشروع ريحٍ قادمة لا محالة، تذكّرني بأرض مؤقّتة لنا، كانت أمّي تحرص دومًا على أن تصحبنا في كلّ موسم قطاف إلى تلك الأرض، لنقطف حباتها بأيدينا الصّغيرة وكأنّي بها تمرّر لنا رسالة عبر تلك الرّحلة القصيرة التي كنّا ننتظرها بشوق وفرح، قابضين على زادٍ لنا حضّرته أمي بأنفاسها قبل يديها، وكمن يقبض على حلمٍ صغير خشية الهروب منه....
رسالة الأرض التي منها زيتوننا وزيتنا، والتي حكاية الأرض موصولة برحمها، رحم الأرض التي تلتحم فيها الزيتونة في حبلٍ سرّي من زيتٍ لا ينضب، تلك الحكاية التي تجدّد في الإحتلال روح الكراهية، وتؤجّج في قلبه شراهة الحرق وشبق القطع لتلك الشجرة المباركة التي ترمز إلى فلسطين الوطن، فصارتا إسماً واحداً لوطن أخضر.
كلّ تلك الذّكريات من موسم القطاف تمرّ بذاكرتي، تذكّرني بأرضٍ كانت لنا، تذكّرني بحلمٍ ينبض داخلي، حين أذكر أمّي التي فارقتنا منذ زمن إلى الأرض الأمّ، التي منها كانت الولادة الأولى. بحبّات القلب والعينين كانت تبرق عينيها الخضراوين كحبّات زيتون في لمعان الزيت فيهما دون أن تمسسه نار حتّى يكاد يضيء....
وأمي هناك في ترابها تحيا بنفس الأرض، وتحيا هناك شجرات لنا في أرضنا الدائمة وطنًا مؤجلًا حتّى حين، لنعود في موسم القطاف الحقيقي، حين نستحق أن نروي تربتها العطشى، ليشتعل الزّيت في الرحم الأوّل، ويعود الضّوء، لنعود.