حاسة هاربة

حاسة هاربة

مروان عبد العال في لقاء مع تلفزيون لبنان: هدفي من الكتابة أن أدافع عن فلسطينيتي كي أكون أنا نفسي
قدم تلفزبون لبنان حلقة خاصة على برنامج صباح الخير يا لبنان، لقاء مع الروائي مران عبد العال، وبعد ان قدمت الإذاعية رنا بيطار الرواية والكاتب ، طلبت تقديما عن الكتاب ، عن ما تحتويه فكرة الرواية كبداية للحديث.
مروان عبد العال : إن رواية حاسة هاربة هي نفس الناس بحيث انه هو عالمي، عالمي مسقط رأسي، الذكريات الناس ،مشاعر الناس، أحلام الناس،فكانت ربما محاولة لالتقاط ربما هذا الحدث، محاولة لقراءة الحدث ربما ليس بطريقة تجريدية ، بقدر ما هي محاولة لالتقاط روح الحدث، قراءة المأساة أي ليس فقط بصورتها الإخبارية بقدر ما هي محاولة لقراءة الحدث بصورته الإنسانية التي هي أعمق من مجرد خبر عاجل، هي محاولة لتسجيل كل هذه الحكاية التي شكلت ربما عالمي الداخلي، وانطبعت عبر كل مسيرة هذه الحياة،من خلال القصة ، الحكاية، أو حتى الحلم،أو حتى كيف احتوى هذا المكان الحلم الأكبر الذي هو فلسطين،والقرية الفلسطينية حكاياتها،و بقيت محمولة من جيل إلى جيل،وكان من الضرورة أن أحاول أن التقط وربما بنفس جماعي و تفاعلي لطبيعة هذا المكان ببصماته الإنسانية.
رنا بيطار: الرواية لا تروي فقط أحداث مخيم نهر البارد،التي نعرفها في نهر البارد والتي حدثت في العام 2007،إنما من بدايات وجودك في المخيم؟
عبد العال: لا شك أن نقطة الإنطلاق بدأت بشكل استرجاعي،من لحظة مغادرة الناس لهذا المخيم وما حدث فيه،اعتبرنا كلنا أن سكانه كانوا ضحية لما جرى ،حاولت أولاً أن آخذ بصورة نقدية،لطبيعة الأخطاء وحتى للوعي الزائف الذي كان مشكلاً في لحظة ما داخل أصول التفكير حتى الناس ا إلى مستوى محاولة العودة إلى الأصول الأولى ، إلى الروح الأولى ، العودة إلى الأحلام الأولى، و بالتالي هناك أشياء عديدة لم يكن لها قيمة إلا وقت الحدث نفسه، لم يكن لها قيمة لدي أو لدى أي احد إلا وقت الحدث.
رنا بيطار: تقصد انه لم يكن هناك انتباه لها
عبد العال: أكيد لم يكن احد منتبهاً لها ، محاولة لإيقاظها أو للقبض عليها لأنها هاربة، بالتالي هناك محور السرير، امرأة تبحث عن سرير، تعرفين أهمية السرير ، أهمية السرير عندما يكون الإنسان نازحاً ، بالتالي هي أيضا هي مقارنة بين سرير وسرير، السرير هنا هو الأرض، البلدة ، القرية، الذي تربى علها ، وفيها أحلام كل الشعب الفلسطيني ، كما قلت بهذا المعنى للانطلاق من نقطة للذهاب إلى نقاط أخرى.
رنا بيطار: نعرف دائما انه في كل رواية هناك بطل، دائما هناك شخصية تعلب دور البطل فمن هي الشخصية التي تعلب دور البطل في هذه الرواية؟
عبد العال : كما قلت هناك أشياء ربما،بصمت حياة الناس، كان لها دور،الرواية ليس فيها بطل بمعنى البطل الذي يدخل في أول الرواية ، و يخرج منتصراً ، لا وجود لهذا البطل في هذا الزمان، لم يعد هناك شخصيات في هذه الرواية و بنفس الوقت الكل كان لاعب ، الكاتب والقارئ في نفس الوقت ،كان شاهدا ، متشابك بين الأنا والنحن الشخصيات التي وردت بما جاءت من خلال التناسل اللاعضوي، وليس بمعنى شخصية من أول الرواية إلى أخرها، هي سرد عن مشاعر و أحاسيس شخصيات ، عن ارتباطهم بالأشياء والمكان أكثر مما هي سرد لحياة ناس
رنا بيطار : أكيد إن الناحية الموضوعية مغيبة،أي إن فيها شيء من الإحساس ، شيء من الذات ، فيها شيء من التجربة الشخصية التي تبدو ظاهرة في الرواية؟
عبد العال: بالتأكيد لا يمكن أن أعزل نفسي عن الحدث نفسه أو حتى عن العلاقة مع الشخصيات أو الأشياء، العلاقة مع المكان، مع البيت مع السرير أو مع أحلام شعبي،لذلك قلت أن "الأنا" تدخل في "النحن"،تداخل متناسق، أحيانا يتم الحديث عن الجماعة و كأنها رواية جماعية،و من ثم الحديث أين أنا نفسي من بين هؤلاء، فانا اعتبرها محاولة للنطق باسم مجموعة أوسع بكثير من الروائي نفسه كأنه هناك مجموعة تكتبها ، وأنا اعتقد أن هناك مجموعة تكتبها، لأن هناك مشترك كثير ، هناك من يكتب رواية من خلال علاقته بأشخاص الرواية، تكون علاقة نصية،في بعض الأحيان يعرفهم و في بعض الأحيان يختلقهم و لكن عندما يعرفهم و يعرف أحاسيسهم ، يعرفه قبل أن يصبح نازحاً و يعرفه حين أصبح نازحاً،كما يعرف في حال قتل، كما يعرف كيف كانت مشاعره و كيف كان يفكر، هن نكون أمام ارتباط وثيق بين هؤلاء الشخصيات وبين الروائي نفسه.
رنا بيطار : قلنا انه ليس هناك حصر زمني للرواية ، آي أنها لا تدور فقط عن أحداث مخيم نهر البارد ولكن المخيم ككل ناشط في الرواية ولكن هل هناك حصر للجغرافية ، إي فقط وجهة النظر الفلسطينية من المخيم
عبد العال: أولا لم يرد اسم نهر البارد في الرواية،حتى اعتقد أن كلمة مخيم أيضاً لم ترد فيها،لكن من يقرأها يعرف تماماً أن الرواية تتحدث عن حي يقع جانب نهر و جانب بحر،وهو الحي الذي عشت فيه، قد نسمع عن حي جديد و حي قديم ، مثل نفس التفاصيل الجغرافية.

رنا بيطار : هل قصدت عدم إيراد التسمية؟
عبد العال: كنت أريد رفع البصمات الموجودة في ذلك المكان،أن أقول أنها قد تصيب أي إنسان مهما اختلفت جنسية هذا الإنسان،و إنها ممكن أن تكون في أي مكان، أينما كان هذا المكان،يعيش بنفس البيئة و بنفس الشروط فسينتج نفس الأحداث و نفس الأوضاع ، هي محاولة للدخول إلى أوسع من جغرافيا المكان،و ربما أوسع من هوية الإنسان الذي يعيش في تلك المنطقة،أتحدث بألم شديد عما حصل في هذه البقعة لكنه الوسع بكثير منها.
رنا بيطار: لو ذهبنا إلى الحدث في الرواية، برؤيتك ككاتب للرواية، ما هو الهدف منها،هل هناك أحداث معينة تريد تأريخها، هل هناك مشاهد معينة تريد أن تنقلها؟
عبد العال:
هدفي من الكتابة أن ادفع عن ذاتي ، أي هويتي ، فلسطينيتي ،كي أكون أنا نفسي،ووسيلتي الرواية وبذات النمط الذي أكتب ،اعتبر ان الرواية وهي رواية ثابتة و مشرعة الأبواب،لا أبتغي تأريخ أحداث بقدر ما هو منسجم مع وظيفة الرواية وهو نقد للتاريخ ،نقل للحظة معينة.
رنا بيطار: ولكن هناك تواريخ معينة.
عبد العال: نعم هناك تواريخ معينة و لكنها ليست تسجيل للأحداث، ويوميات ، كما قلت هناك مسائل إذا لم التقطها بحرارتها، حتى قبل أنني كتبتها بغضب و بتوتر، و اعتبر أن هذا شيء ايجابي، لان كل الإلياذة لتي كتبت حرب اسبرطة و طروادة كتبت على قاعدة غضب أخيل، بالتالي الانطلاق من هذه الأحاسيس، خاصة أنها كتبت في لحظتها، من المستحيل مثلا أن أجيد نفس السرد و الأحاسيس بعد فترة، لأنها تبرد، لأنه كان يعني الكثير انه في لحظة حصار و لحظة عطش،أن ترى قطة تقوم بسلوك وحشي، كأن تراها وهي تأكل جثة في الشارع،أو أن تراها وهي تبحث عن الماء في رطوبة الحائط، كل هذه المشاهد من الصعب على الأخبار و على التاريخ التقاطها، لكن الأدب بأدواته يستطيع أن يلتقطها، وهي ليست من السهولة التقاطها،
رنا بيطار : هل واكبت الأحداث من الداخل؟
عبد العال: بالتأكيد لقد كنت داخل المخيم،و ناشط في أكثر من مجال و شاهد على الكثير من ا لأحداث.
رنا بيطار : هل جربت إن تنقل ما شاهدته من أحداث ، أن تكون كما هي داخل الرواية؟
عبد العال: بالتأكيد ، ليس فقط أثناء الحدث، بل مهدت له قبل الأحداث،كيف جرت ، أيضا ليست فقط روايتي الشخصية، هناك أسئلة كثيرة، أسئلة و حتى الرواية أبقتها بلا أجوبة، وهي أسئلة حائرة بهذا المعنى، هناك شيء فجائي،تصوري أن ينام الإنسان على حلم و يستيقظ على كابوس، أن يكون نائماً على سريره فجأةً هو نازح في مكان آخر،هذا حصل لأكثر من أربعين ألف لاجئ كانوا في المخيم، كيف هذه الروح التي قلت عنها روح عبثية، التي حاولت أن تختطف المخيم من داخله وقد عبرت عنها أيضا من خلال أشكال الوعي الزائف التي كانت موجودة، وهي أيضا محاولة أيضاً لتغيير هوية و حلم الإنسان الفلسطيني، وهذا ليس هو حلمه الحقيقي، وهي محاولة للتذكير بالحلم الحقيقي، هذا الحلم الذي اعتقد أن غيابه من أفسد المكان ذاته ، في أي مكان كان ، وهو حلم ظل هاربا، هو حلم الوطن، هذه المسائل التي ننظر إليها على انها لحظة انكسارات ولكنها أيضا و بنفس الوقت كانت لأصحاب الأحلام التي اعتقد أنها تستحق أن نحيا.
رنا بيطار : أسميت روايتك حاسة هاربة من المعروف أن كلمة حاسة يأتي بعدها الحاسة السادسة و إذا ما أردنا أن نخرج خارج الطبيعة نذهب الى ، ولكن لم يتحدث احد عن الحاسة الهاربة، هل هي تجسيد لواقع الإنسان الفلسطيني ، العودة للوطن، تجسيد للواقع كما هو؟
عبد العال: أشكرك ، فسؤالك مهم جداً،الحقيقة كنت أريد أن اسميها حاسة سابعة،وليست حاسة هاربة، وربما لأنه هناك شيء خيالي وغيبي اسمه حاسة سادسة،هناك حاسة إضافية ربما يمتاز بها الفلسطيني، لأنه إنسان مقتلع ،فيه ذهنية الإنسان المقتلع ، دائما يشعر بالقلق، بالخوف من المستقبل ،هي موجودة داخله ، وهو يشعر بالقلق بشكل دائم،أصعب لحظات المأساة ، الله ينجينا من آلات، كنت أحاول دائما أن ارصدها، و أن أحاول صياغتها كما يجب، يقولون لم يأت أعظم من هذا الذي حدث، لكن يقولون دائما هناك أعظم، دائما هناك خوف من الغد، هذا ما حاولت قوله،إنها شكل من أشكال الحاسة، هي محاولة للبحث عن هوية اللاجئ الإيجابي،وليس الهوية السلبية،أي الذي يعيش هنا و يظل يحلم "بهناك".
رنا بيطار : لماذا هاربة، من المعروف عن الإنسان الفلسطيني انه متمسك بهويته، وان الإنسان الفلسطيني ليس هاربا،
صحيح أنا قرأت واقعاَ ,ستين سنة والفلسطيني يلهث خلف حاسة هاربة فوق شيء هارب، فوق حلم، و لكنه حتى الآن لم يتلقط هذا الحلم، وأنا اعتقد انه الانتصار أن نلتقط أحلامنا، لذلك كما قلت أنا صورت في لحظة ما مثل هذه الأحلام مثل هذه القضية، اعتقد إنها ربما نبوءة، وهي تبدو في نهاية الرواية، بأنه حتى ولو كانت ماسادا، الإسرائيليين في ذاكرتهم بان هناك قرية اسمها مسعدة و هم يطلقون عليها لقب ماسادا،بان أهلها رفضوا في يوم من الأيام ، محاولة طمس للتاريخ الفلسطيني ،بأنهم فضلوا الموت دون أن يخرجوا،و نحن نتمنى بان يكون لدينا وطن حتى نموت فيه،نحن نبحث عن ماسادا، أن ينتهي هذا الشتات المزمن للفلسطيني،هذا ما حاولت قوله.كأننا نحار حتى بمكان موتنا ،نريده موتاً في ترابنا.
رنا بيطار : هذه الرواية الثالثة ، يعني ليست الرواية الأولى التي تحكي عن هذه الواقع ، هل هناك محاولة ليكون هناك سلسلة روايات تحكي عن الواقع ذاته؟
عبد العال: ليس الموضوع ذاته، ربما سيكون هناك شيء مشترك، وهو الرواية الفلسطينية ،دون أن تتحدث بالضرورة عن فلسطين بالاسم بالشعارات والأسماء والسياسة، ليس بهذا المنحى، أول رواية كان اسمها سفر أيوب وهي قصة تحكي أيضا عن لحظة الهروب ، و "زهرة الطين " الرواية الثانية تحدثت عن سلاح الذاكرة، و "حاسة هاربة" ربما أرادت القبض على سلاح الحلم و ألآن أحاول أن اكتب عن أسطورة فلسطينية يغنى لها، أعيد صياغتها،وهي حول جفرا، جفرا ا سم مسموع كثيراً و يغنى لها، ولكن هناك من يقول أنها امتداد للكنعانيين، هناك من يقول أنها حقيقة موجودة و في كل قرية فلسطينية يطلق على أجمل فتاة فيها اسم جفرا،وهي جزء من التراث الشعبي الفلسطيني،أحاول صياغته كي استنطق هذه الأسطورة الأنثوية الفلسطينية في النضال الوطني.
رنا بيطار : سبق و قلنا انك تنطلق في روايتك من الواقع الزمني الحاضر لترجع بالأحداث إلى الخلف، من أي واقع بدأت ، من أي فترة زمنية بدأت رواية "حاسة هاربة"؟
عبد العال: هي رواية دائرية، الفصل الأول لا يعني بالضرورة بداية الحدث،تبدأ بذات مساء ، واعني به المساء الذي سبق المعركة، و حتى احكي بالتفاصيل عن ذلك المساء، هناك بيت ، حديقة ، لوحات و أناس، ثم جاء التطور المفاجئ حين قام هؤلاء، وقد سميتهم الروح السوداء بافتعال هذا الهجوم من خلال الاعتداء على الجيش اللبناني،وانقلبت الأوضاع رأساً على عقب، فتصوري كيف انقلب ذلك المساء،وهنا تتضح أهمية السرير،و قد شاهدنا المرأة التي كانت ضائعة تحت القصف ، وكانت تقول أريد سرير، وعمرها أكثر من 80 سنة، وقد عدت إلى ذاكرتها ,وحتى التي كانت في فلسطين ،لذلك قلت عنها امرأة السرير التي لا ترتاح روحها،بلا سرير دافئ و آمن ، وختمت بالقول من لا وطن له لا سرير له.
رنا بيطار: هل شخصيات الرواية حقيقية؟
عبد العال: مشاعر الناس حقيقية،ربما كتابتي لها و تصويري لها في حبكة روائية،متداخلة في شخصيات ،أمكنة وربما لحظات، مثل الماء ،الحلم،النار و التراب هي ذوات توزعت كأنها فصول ، وفي نفس الوقت كأنها صورة الأشخاص ، بل أحلام معششة في ذاكرتهم النائمة و المستيقظة.